ابن الجوزي

301

القصاص والمذكرين

قال المصنّف : قلت : وقد قال ابن سيرين : يقعد أحدهم على الحائط ويقرأ عليه القرآن ، فإن رمى نفسه فهو محقّ . ومن ذلك مزاحمة الرجال للنساء في المجلس ، وربما اختلطوا : 162 - وقد روى ضمرة « 1 » عن ابن شوذب « 2 » عن أبي التيّاح قال : قلت للحسن : إمامنا يقصّ ، فيجتمع الرجال والنساء فيرفعون أصواتهم بالدعاء . فقال الحسن : إنّ رفع الأصوات بالدعاء لبدعة ، وإنّ مدّ الأيدي بالدعاء لبدعة ، وإن اجتماع الرجال والنساء لبدعة « 3 » .

--> ( 1 ) هو ضمرة بن ربيعة الفلسطيني الرملي . كان ثقة توفي 202 ه . ( 2 ) هو عبد اللّه بن شوذب الخراساني البلخي . كان من الثقات توفي 156 ه . ( 3 ) أقول : لعلّه يريد أنّ الذي عليه هؤلاء القوم من رفع الأصوات في الدعاء مما لم يثبت عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ولا عن السلف ، وهو يشوّش على المصلي صلاته ، فهو بدعة . بل لقد جاء في الحديث الصحيح الأمر بخفض الصوت في الدعاء ، فلقد روى البخاري ( « الفتح » 7 / 470 ) عن أبي موسى الأشعري قال : لما غزا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم خيبر أشرف الناس على واد ، فرفعوا أصواتهم بالتكبير : اللّه أكبر اللّه أكبر . لا إله إلا اللّه . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « اربعوا على أنفسكم ، إنكم لا تدعون أصمّ ولا غائبا . إنكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم » ورواه مسلم وأبو داود وأحمد والترمذي . وأما مدّ الأيدي بالدعاء فقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يستحب إلا في الاستسقاء اعتمادا على حديث أنس قال : كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء قال ابن حجر في التعليق على هذا الحديث ( « الفتح » 2 / 517 ) : ( ظاهره نفي الرفع في كل دعاء غير الاستسقاء ، وهو معارض بالأحاديث الثابتة بالرفع في غير الاستسقاء وقد تقدم أنها كثيرة ، وقد أفردها المصنف بترجمة في كتاب الدعوات وساق فيها عدة أحاديث . فذهب بعضهم إلى أن العمل بها أولى ، وحمل حديث أنس على نفي رؤيته ، ولا يستلزم نفي رؤية غيره . وذهب آخرون إلى تأويل حديث أنس المذكور لأجل الجمع بأن يحمل النفي على صفة مخصوصة : إما الرفع البليغ فيدل عليه قوله حتى يرى بياض إبطيه ، ويؤيده أن غالب الأحاديث التي وردت في رفع اليدين في الدعاء إنما المراد به مدّ اليدين وبسطهما عند الدعاء ، وكأنه عند الاستسقاء مع ذلك زاد ، فرفعهما إلى جهة وجهه حتى حاذتاه ، وبه حينئذ يرى بياض إبطيه . . . ) وكذلك اجتماع الرجال والنساء أمر مبتدع . . فلقد كان رسول اللّه يخصهن بالوعظ أحيانا ، ويأمرهن بالابتعاد عن الرجال حتى قال : « خير صفوف النساء آخرها » وبالمسارعة إلى الخروج -